رأي تقني شخصي #001: بدل أن تلعن الظلام؛ حاول أن تضيء شمعة

شارك المقالة

عندما تنشر خبرا أو شيئا معينا عن توزيعة جديدة أو واجهة جديدة أو برنامَج جديد أو أي مشروع تقني جديد فغالبا ما يحدث كثير من اللغط بين المستخدمين حول جاهزية استخدام هذا المشروع وصلاحيته للمستخدم النهائي. وأنا أتحدث في مقالي هذا عن فئة قليلة من الأشخاص الذين يتحدثون عن هذه المعايير ويوجبون ضرورة وجودها بغض النظر عن حداثة المشروع أو قدمه وبغض النظر عن فلسفته وحجم مجتمعه. وكلامي ليس تعميما على وجهات نظر جميع الأشخاص وليس تعميما على أهدافهم من إبداء وجهات نظرهم. وليس انتقادا لمن يبدي وجهة نظره المجردة من الاستنكار والمقارنة فهذا ضروري من أجل التجويد والتحسين.

التوزيعات الجديدة مثل rlxos (التي نشرنا عنها البارحة في صفحاتنا على مواقع التواصل) تبقى توزيعات جديدة؛ في مراحلها الأولى وتحتاج لمزيد من التطوير والعمل الدؤوب. وإذا نشرنا شيئا عنها فنحن لا ننصح بذلك المستخدم النهائي بالعمل عليها بشكل يومي. ولكن مشاركتنا لأخبارها وتجاربنا لها من باب التعريف بها ومن باب محاولة ضم عدد أكبر من الأفراد لمجتمعها. وهذا بالضرورة هو ما سيجعلها ناضجة ومستقرة ومتوفرة البرامج وغير ذلك. ولو لم نفعل نحن وغيرنا ذلك لقُتل أي مشروع قبل أن يولد أصلا. شخصيا واجهت مشكلتين مع التوزيعة حتى الآن واستفسرت من فريق تطوير التوزيعة على منصة تويتر عن ذلك. والحق يقال أن هذا الفريق متعاون وسريع الاستجابة. وقد ردوا فورا على استفساراتي ولا يزالون يردون حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر.

وليس من المعقول بتاتا أن نحكم على توزيعة جديدة بعدم الاستقرار وعدم توفر البرامج وهي في بداياتها أصلا. وليس مطلوبا منك أن تحكم عليها في ذلك من وجهة نظرك كمستخدم نهائي أو أن تقارنها مع تجربتك وحاجتك وتقارنها مع توزيعة أخرى لها سنوات وعقود من الوجود؛ لأن شرط التكافؤ غير موجود أصلا في مقارنتك.

هل يعقل أن تطلب من رضيعك الذي ولد حديثا أن يكون شابا فتيا ناجحا يحمل شهادة تعليمية عليا، موظفا مرموقا في وظيفة ممتازة. وصاحب وضع اجتماعي مستقر مباشرة بعد ولادته! حتى الرضيع الحديث لا يرى بعينيه بالشكل المطلوب، كما تقول بعض الدراسات أنه لا يرى إلا باللونين الأسود والأبيض في الأيام الأولى لولادته؛ ببساطة لأن الخلايا العصبية لدماغه ولشبكية عينيه لا تزال غير ناضجة. ومهمتك أن تأخذ بيده حتى يصبح الشخص الذي تتمناه، وليس أن تلعن عدم كفاءته لمواجهة الحياة وتود وَأْدَهُ تحت التراب وهو أصلا مجرد رضيع وُلد قبل ساعات قليلة! ومهمتك أيضا كمستخدم تقني أن تساعد في المشاريع التقنية الجديدة إن أردت وإن استطعت بدل أن تنتقدها انتقادا لاذعا قد يقتلها قبل أن تُكتب لها الحياة أصلا.

أفيعقل أن تطلب بعد هذا من مجهود تطويري بشري بحت يخطئ ويصيب أن يكون جاهزا مباشرة في أول إصداراته! فقط لأنك تقارنه بتوزيعتك الجاهزة! والتي لولا مرورها بنفس المراحل التي تمر بها هذه التوزيعة الجديدة لما رأيتها هكذا اليوم. وهل من المعقول أن نقارن rlxos ب Debian مثلا التي مر على وجودها 28 سنة والتي قد يكون مجتمعها أكبر مجتمعات جنو/لينكس، والتي تحتوي في مستودعاتها أكثر من 59000 حُزْمَة!

شخصيا أتذكر جيدا ما حصل من انتقاد لاذع لتوزيعة Linux Mint بعد إنشائها لسطحي المكتب Cinnamon و Mate بدل الاستمرار في استخدام Gnome. لكن أين Cinnamon و Mate وأين Linux Mint اليوم؟ لا زلت أذكر أيضا بداية Manjaro سنة 2011 وكيف انتقدها البعض لأنها “غير جاهزة” ولأنها “لا تقدم إضافة لنظام Arch” ولكن أين مانجارو اليوم؟ لا زلت أذكر مع حدث عند إنشاء الحُزْمَة المكتبية LibreOffice بداية سنة 2011 كحزمة مشتقة من OpenOffice بعد شراء شركة Oracle لشركة Sun Microsystems التي كانت تطور OpenOffice في ذلك الوقت وكيف قال هؤلاء النقاد أنه من غير المجدي بداية مشروع جديد وهم يملكون OpenOffice الذي عمره أكثر من عشر سنوات في ذلك الوقت وهو ناضج بما يكفي لمواصلة الاعتماد عليه على الرغْم أنهم لم يعيروا اهتماما أصلا لقلق مطوري ومجتمع OpenOffice.org من سياسة Oracle تجاه البرمجيات مفتوحة المصدر وإهمالها للحزمة المكتبية. لكن أين LibreOffice اليوم؟ لا زلت أذكر ما حدث مع MX Linux وما قالوه عن عدم جدوى إنشاء توزيعة مبنية على توزيعة غير مشهورة مثل antix وعلى مجتمع توزيعة MEPIS Linux التي آلت في ذلك الوقت للزوال، وعدم جدوى استخدام SysV بدل Systemd الذي لا يمكن الزيغ عنه حسب رأيهم بأي صفة من الصفات لأنه مستقبل أنظمة التمهيد دون جدال. لكن أين MX Linux اليوم؟ لا زلت أذكر أيضا انتقادهم لإنشاء Solus لواجهة Budgie وتساؤلهم باستغراب واستنكار عن الإضافة التي تقدمها واجهة الببغاء إلى GNOME. ولكن أين Budgie اليوم؟ لا زالت أذكر أيضا استغرابهم لجدوى إنشاء شركة System76 لتوزيعة Pop!_OS قبل أربع سنوات من الْآنَ. ولكن أين بوب اليوم؟

نفس هذه الفئة من المستخدمين هي من تهكمت بالأمس القريب على واجهة بوب الجديدة COSMIC وعلى أنها مجرد هراء ومضيعة للوقت وتغيير غير مطلوب لتجربة GNOME. وهم نفسهم من ينتقدون اليوم rlxos ويتهكمون بها لأنها غير مستقرة ولا توفر البرامج في مستودعاتها. لكن الأيام القادمة قد تكون كفيلة بضرب حججهم عُرْضَ الحائط. ومن المتوقع أن المسار التطويري والواقع التقني بعد سنوات سيخذلهم مجددا. وسيجدون حينها طرق ذم أخرى يوجهونها لأي مشروع بعد أن تزول حججهم عن الاستقرار ووفرة البرامج وغير ذلك. لأن المشكلة بالنسبة لهم ليست مجرد معايير لجاهزية الاستخدام بل هي عدم تقبلهم لأي “شيء آخر” غير توزيعاتهم.

ختاما نقول: خير لك أن تضيء شمعة أو حتى عود ثقاب من أن تقضي حياتك تلعن الظلام. وخير لك أن تجرب أي توزيعة جديدة وتقدم ملاحظاتك واقتراحاتك وتبلغ عن العلل والمشاكل ولم لا؟ تساهم في تطويرها، بدل أن تلعن عدم جاهزية استخدامها وهي أصلا جديدة. فلا أحد أجبرك أصلا على استخدامها. ولتكن منطقيا من فضلك فليس مطلوبا من أي مشروع جديد أن يقدم لك ولي و لغيرنا من المستخدمين أكثر من مجرد كونه “مشروعا جديدا“.

مسرور
مسرور
4
حزين
حزين
0
متحمس
متحمس
7
نعسان
نعسان
0
غاضب
غاضب
0
متفاجئ
متفاجئ
0

شارك المقالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *