رأي تقني شخصي #003: “نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم”

شارك المقالة

آخر تحديث للمقال كان بتاريخ 7 نوفمبر، 2021

لطالما كانت التقنية الرقمية فرعا لا يتجزأ من العلوم الأخرى. وكما وُجد ويُوجد في جميع مجالات العلوم قاطبة أشخاص يَدَّعُون التميز عن غيرهم والرفعة عمن يظنون أنهم دونهم؛ فإن عالمنا التقني لم يكن استثناء. ولو تحدثنا عن هذه الفئة من المستخدمين في عالم البرمجيات الحرة ومفتوحة المصدر وأنظمة جنو/لينكس فإن سلسلة من المقالات أو حتى كتابا كاملا لن يكفي لتأصيل المشكلة وعرض حلول لها؛ ذلك أنها متأصلة في النفس البشرية. لذا سنحاول في مقالنا هذا الحديث عن أدب يحتاج إليه كل طالب علم وكل مُعَلِّم مهما بلغ مستواهما لكونه صفة لازمة في النفس البشرية قبل أن يكون صاحب هذه النفس شخصا تقنيا؛ إنه أدب “التواضع“.

إن مما يُحزِن المستخدم التقني بصفة عامة ومستخدم البرمجيات الحرة وأنظمة لينكس بصفة خاصة تلك الفئة من المستخدمين التي نُعَرِّفُها بمصطلحات “النخبة” أو “الصفوة” أو “الخاصة“. التسميات الطبقية لهذه الفئة ليست اعترافا منا بأفضليتهم على غيرهم، وإنما تصنيفا لما قد يصفون به أنفسهم. فلا وجود لأي نظام طبقي في مجال العلوم التقنية، والعلم لم يكن يوما حكرا على فئة دون غيرها ولن يكون كذلك. تظهر لنا هذه الفئة كل مرة في الحياة الواقعية، على منصات التواصل وفي شبكة الويب؛ تظهر بلباس الكِبر، النرجسية، الترّفع والاستعلاء.

كثيرا ما نرى هؤلاء المستخدمين ينتقصون من غيرهم ويستهزئون بهم ويسخرون من معارفهم. وتزداد هذه الممارسات تضييقا ضد فئة المستخدمين الجدد لأنظمة جنو/لينكس. الغريب في الأمر أن يتوقع هؤلاء أن المستخدم الجديد يُفترض به أن يعرف ما عرفوه بعد سنوات طويلة من التعلم والاستخدام. والغريب أيضا أن يتوقع هؤلاء من المستخدمين القدماء أن يمتلكوا نفس التصورات والمعارف التي لديهم. والخطب الجلل هنا أنه إن حدث وحاد أي شخص جديدا في المجال كان أو قديما عن الدرب الذي رسموه بأنفسهم وسلكوه فإن الجواب الروتيني الذي يسيئون به لمجتمع البرمجيات الحرة ولا يحسنون هو عدم استحقاق غيرهم لاستخدام أنظمة جنو/لينكس. وأن لينكس لفئة خاصة من أصحاب المستوى المعرفي المتقدم مثلما يصفون به أنفسهم، ومن لم يمتلك هذا المستوى فعليه العودة لأنظمة التشغيل الأخرى. يقولون ما سبق ونبرة الاستعلاء تعلوهم. والسؤال هنا: أفهكذا يُدرَك العلم! أوهكذا توزن معرفة الشخص!

لا جرم أن اختلافنا في العلم سُنَّة كونية، فالعلم والمعارف أشياء نسبية ما دام أنها متعلقة بالذات البشرية. لذلك تختلف من شخص لآخر، من مكان لآخر، من زمان لآخر، من ظرف لآخر ومن مجال لآخر. الغرض الكوني من هذا الاختلاف ليس أن يرى بعضنا أنفسهم أرفع من غيرهم، وإنما الغرضُ كل الغرضِ منه أن تتلاقى المعارف وتتصل وتتلاقح وتُتَبادل، يُكَمِّلُ أصحابها علم بعضهم البعض ويعالجون مواطن جهل بعضهم البعض.

صحيح أن الطبيعة الإنسانية تميل للشعور بالثقة بالنفس وتقدير الذات لكن الخطأ أن يبالغ الشخص في ممارسة هذه الطبيعة ما يجعله يَهرَع لتعظيم ذاته وربما يُقدِّسها، فينتقل بعد ذلك للبحث عما يميزها عن غيرها. ولما كان العلم من أكثر ما تلجأ إليه النفس البشرية لإثبات تميزها، لكونه من أسهل ما يمكننا تحصيله في عالمنا الرقمي الحالي بعد أن كان فيما مضى لا يَدْرَك إلا بجهد البلاء؛ فقد وجد هؤلاء غايتهم المنشودة في العلم.

قديما كانت صعوبة تحصيل العلم هي ما تجعل طالب العلم آنذاك يدرك عِظَم نعمة الله عليه وحاجته المتزايدة للعلم ومشقة إدراك حاجته؛ كل هذه الأسباب تجعل من الشخص مدركا لذلة نفسه وصغر قيمته وَسَط هذا العالم اللامتناهي من المعارف؛ ما يجعله يتواضع أدبا ورغبة في تحصيل المزيد. لكن ذلك تغير بسبب عصر الرقمنة الذي نعيشه. وبسبب تطور شبكات الويب وانتشار المحتوى يوما بعد يوم نسي طالب العلم المعاصر التحلي بصفة التواضع بمجرد أن نسي مشقة طلب العلم.

إن قيمة العلوم التي يجمعها الشخص باختلاف كَمِّها ومستواها لا تكتمل إلا إذا حُصِّلَ معها أدب أكثر وتواضع أكبر. بل إن صفات التكبر، التباهي، التفاخر وادعاء الرفعة على الآخرين لتُذهب قيمة العلوم وتحط من شأن صاحبها الذي اعتقد أن علمه هذا قد رفعه. فقيمة الإنسان في أدبه وتواضعه قبل أن تكون في علمه لأن أول ما يُتَعَلَّمُ من العلمِ الأدبُ قبل العلم ذاته، ثم فليُحَصِّل طالب العلم بعد ذلك ما شاء من المعارف.

طالب العلم الحق والعالم الحق هو من يدرك كلما تعلَّم شيئا جديدا أن معرفته صغيرة مهما كَبُرَت، وأنها قليلة مهما كَثُرَت، وأنها ضئيلة مهما عَظُمَت. وذلك ما يُعَرِّفُه بقدر نفسه وحقيقتها، فلا يُعجب بما عنده من العلم وبما وصل إليه. ولا يغتر بنفسه، ولا يتباهى بما حَصَّله، ولا يتعالى على غيره ولا ينتقص منهم. ثم إن الناس لا تنظر إلى معرفة العالِم بمجاله بقدر ما تنظر لأدب وتواضع العالِم مع من تَعَلَّمَ منه ومع من يُعَلِّمُه. لأن النفس البشرية جُبِلت على الاستماع والتعلم ممن يلين معها. والنفور والإعراض عمن يقسو عليها وينتقصها.

ثم إن علم الشخص بشيء معين لا يجعله أفضل من غيره. ولا يعطيه حق الاستعلاء عليه؛ بل إن من المؤكد أن غيره أفضل وأعلم منه بمجال يجهله أو لا يملك فيه إلا القليل من المعارف. لأنه مهما تَدَرٌَج الشخص في سلم العلم فإنه سيبقى قاصرا وبعيدا تماما عن إدراك كله أو حتى بعضه. والعلم لا يُحسَب منفردا بل يُحسَب جملة، فما عند الواحد يُكَمِّلُ ما عند الآخرين. وما عند الآخرين يُكَمِّلُ ما عند الواحد. ومما لا شك فيه أنه مرَّ على أي شخص أو سيمر عليه يوما ما موقف يكتشف فيه أن غيره ممن ادعى جهلهم وتكبر عليهم؛ يملكون علما قد يكون في أَمَسِّ الحاجة إليه أكثر بكثير من حاجتهم لعلمه.

يجب على طالب العلم والعالم أن يَعِيَا أن اقتران العلم بالأدب والتواضع اقتران لابد منه. وأنه لا يكون الشخص عالِما إلا إذا كان متواضعا. ولا يكون الشخص متواضعا إلا إذا كان قد علم من العلم ما يجعله يتواضع للعلم ولغيره من طلبة العلم. فالتواضع هو جوهر العلم وروحه. وكما أن للإنسان جسدا وروحا لا تكون حياته دون أحدهما فإن للعلم جسدا وروحا لا يصح وصف أحدهم بالعالِم إلا باقترانهما؛ فجسد العلم المعرفة، وروح العلم الأدب والتواضع. بل إن الروح هي التي تَذْهَبُ الحياة بذهابها على الرغْم من بقاء الجسد. وإذا اتصف الشخص بالمعرفة وفقد روح العلم المتمثلة في الأدب والتواضع فإنما يبقى من علمه ما يبقى للميت من جسده؛ “الجثة”.

إن علم الله لقاموس محيط وبحر شاسع يعجز الإنسان في حياته القصيرة أن يغترف منه إلا بضع غرفات قليلة بالرغْم من تعطشه الدائم لهذا النبع. غرفات لولا أن مَنٌَ بها الله علينا ووَفَّقَنَا إليها لمتنا عطشا في صحراء الجهل. وإن من المُعيب بعد كل هذا أن نتباهى على غيرنا بنعمة العلم التي لا فضل لنا في تحصيلها بل كل الفضل يعود لتوفيق الله عزّ وجلٌ.

نختم كلامنا بالنصيحة فنقول: لا تتفاخر بعلمك على من تظنه دونك، ولا تَتَحَرٌَج في طلب العلم منه. فإن من تظنه دونك قد يكون ممن سخرهم الله لإطلاعك على ما يُكَمِّلُ علمك ويُجَمِّلُه. وإذا تعلمت شيئا فكن كمن لم يتعلم شيئا؛ فإن العلم ليُذهِبُ نفسه إذا خلى من صفة التواضع. وإن التواضع ليرفع قيمتك الإنسانية بين الناس قبل أن يرفع لك العلم قيمتك العلمية. وكما أن أخفض الأراضي أكثرها ماءً فإن أشد العلماء تواضعا أكثرهم علما. وكما يقول عبد الله بن المبارك: “نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم“.

مسرور
مسرور
3
حزين
حزين
4
متحمس
متحمس
0
نعسان
نعسان
1
غاضب
غاضب
0
متفاجئ
متفاجئ
0

شارك المقالة